عبد القاهر الجرجاني
201
دلائل الإعجاز في علم المعاني
هذا ، وكما أن من شأن الكناية الواقعة في نفس الصّفة أن تجيء على صور مختلفة ، كذلك من شأنها إذا وقعت في طريق إثبات الصّفة أن تجيء على هذا الحدّ ، ثم يكون في ذلك ما يتناسب ، كما كان ذلك في الكناية عن الصفة نفسها . تفسير هذا : أنك تنظر إلى قول يزيد بن الحكم " 1 " يمدح به يزيد بن المهلّب ، وهو في حبس الحجّاج : [ من المنسرح ] أصبح في قيدك السّماحة والمج * د وفضل الصّلاح والحسب فتراه نظيرا لبيت " زياد " ، وتعلم أن مكان " القيد " هاهنا هو مكان " القبة " هناك . كما أنك تنظر إلى قوله : " جبان الكلب " ، فتعلم أنه نظير لقوله : [ من الطويل ] زجرت كلابي أن يهرّ عقورها " 2 " من حيث لم يكن ذلك " الجبن " إلا لأن دام منه الزّجر واستمرّ ، حتى أخرج الكلب بذلك عما هو عادته من الهرير والنّبح في وجه من يدنو من دار هو مرصد لأن يعسّ دونها . وتنظر إلى قوله : " مهزول الفصيل " ، فتعلم أنه نظير قول ابن هرمة : لا أمتع العوذ بالفصال وتنظر إلى قول نصيب : [ من المتقارب ] لعبد العزيز على قومه * وغيرهم منن ظاهره فبابك أسهل أبوابهم * ودارك مأهولة عامره وكلبك آنس بالزّائرين * من الأمّ بالابنة الزّائره " 3 "
--> ( 1 ) يزيد بن الحكم : شاعر عالي الطبقة من أعيان العصر الأموي من أهل الطائف توفي سنة ( 105 ) ه . ( 2 ) البيت : لعوف بن الأحوص الكلابي ، وهو شاعر جاهلي ، ( الوحشيات 6 / 2 ) ، والمفضليات ( 176 ) . ونسبه في الحماسة إلى أخيه شريح وعجز البيت : " رقعت له ثاري فلما اهتدى بها عقورها " عقر الفرس والبعير عقرا : قطع قوائمه / اللسان مادة / عقر ( 4 / 229 ) . ( 3 ) الأبيات لنصيب الشاعر الأموي في مدح عبد العزيز بن مروان ، والأبيات في الإيضاح ( 288 ) ، والمفتاح ( 516 ) ، وأوردها محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ( 242 ) ، وعزاها لنصيب ، والتبيان ( 39 ) . ونصيب كان عبدا أسود لرجل من أهل وادي القرى ، أتى عبد العزيز بن مروان ، بعد ذلك أصبح النصيب مولى بني مروان ، كانت أمه سوداء ، فوقع بها سيدها فولدت نصيبا ، فوثب عليه عمه بعد موت أبيه واستعبده . ترجمته في الشعر والشعراء ( 417 ، 419 ) ، وطبقات الشعراء ، والأغاني ، والآلي ، ومعجم الأدباء ، والأبيات المذكورة ، يمدح بها سيده عبد العزيز بن مروان .